حسن الأمين

134

مستدركات أعيان الشيعة

هكذا نزل المرتضى عند اقتراح الوزير المذكور ، ومن ذلك يستفاد أن الوزير يشارك مشاركة حسنة في الأدب ، ويروي شعر الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين ، وأكثر من ذلك أن هذا الوزير خبير بمزاج الشريف المرتضى وبفنون الأدب والشعر التي يحسنها . والمعروف أن الشريف يحسن القول في الشيب والشباب وله في ذلك مجموعة معروفة ، ويحسن النظم في طيف الخيال ، وله في ذلك أيضا مجموعة متداولة . وقد تعاطى النظم في هذه المعاني بعض فحول الشعراء قبل الشريفين المرتضى والرضي ، ومن أشهرهم أبو عبادة البحتري ، وقد بلغت هذه الصلة الأدبية بين الوزير أبي الحسن علي بن حمد والمرتضى حدا من الوثاقة جعلته « أعنى الوزير » يقترح على الشريف نظم قصيدة على لسانه يبعث بها إلى بهاء الدولة ( 1 ) فهي قصيدة قيلت على لسان وزير مرسلة إلى ملك ، والاثنان من أصدقائه فلا مناص من التجويد فيها ، وقد جاءت من محاسن شعره لفظا ومعنى يقترحان . ويلاحظ أن مقترحات هذا الوزير على المرتضى غير قليلة كما يبدو لمن بتصفح ديوان المرتضى ، وقد سأله مرة إجازة قول أبي دهبل الجمحي ( 2 ) : وأبرزها من بطن مكة بعد ما أصات المنادي بالصلاة وأعتما وأن يجعل الوصف الذي قصد به أبو دهبل إلى ناقة مصروفا إلى امرأة ، فقال مرتجلا في الحال : فطيب « رياها » المقام وضوأت باشراقها بين الحطيم وزمزما « 3 » فيا رب إن لقيت وجها تحية فحي وجوها في المدينة سهما تجافين عن مس الدهان وطالما عصمن عن الحناء كفا ومعصما وكم من جليد لا يخامره الهوى شنن عليه الوجد حتى تتيما أهان لهن النفس وهي كريمة وألقى إليهن الحديث المكتما تسفهت لما أن مررت بدارها وعوجلت دون الحلم أن تتحلما فعجت تقرى دارسا متنكرا وتسأل مصروفا عن النطق أعجما ويوم وقفنا للوداع وكلنا يعد مطيع الشوق من كان أحزما نصرت بقلب لا يعنف في الهوى وعين متى استطمرتها مطرت دما ( 3 ) كما يلاحظ أيضا كثرة المقترحات التي ترد عليه من هذا القبيل ومن غير هذا الوزير ، فطورا يسال إجازة أبيات على وزن مخصوص وقافية ، وتارة يطلب إليه إجازة قول النواح المرادي ( 4 ) : يا إبلي روحي على الأضياف إن لم يكن فيك غبوق كاف فأبشري بالقدر والأثافي وغارف ومغرف جراف فأجابه المرتضى بالقصيدة التي أولها : يا إبلي كوني قرى الأضياف فليس عند الجود بالانصاف أو غيره ، إلى هذا وأمثاله . ولا غرو ، فان الدولة البويهية كانت دولة الأدب والشعر ، وكان شعر المرتضى كشعر أخيه الرضى يعرض بديوان بهاء الدولة ويقرأ في مجلسه . ومن الخلفاء الذين ورد ذكرهم في شعره أكثر من مرة ، القادر بالله العباسي . وله فيه قصيدة بمناسبة إفضاء الخلافة إليه ( 5 ) ، وفي هذه القصيدة يتمدح المرتضى بأنه من عشيرة الخليفة ، ويقصد بذلك أن الأرومة الهاشمية تجمع بينهما ، وأنه لا غرض له إلا بقاؤه ودوام صلته به . وفي هذه القصيدة أشار إلى تعذر الوصول إلى سدة هذا الخليفة بعد البيعة ، فمن ذلك قوله : وأنا الذي ينمى إليك ولاؤه أبدا كما ينمى إليكم مولدي أثني عليك وبيننا متمنع صعب المرام على الرجال القصد ولئن تحجب نور وجهك برهة عني فهاتيك المناقب شهدي ما حاجتي إلا بقاؤك سالما تعلي مقاماتي وتدني مشهدي والظاهر أن المرتضى كان قبيل البيعة وثيق الصلة به كثير الاجتماع معه . ولم يكن الشريف المرتضى وحده قريبا من هذا الخليفة ينوه به في عدة من قصائده ، بل كان أخوه الرضي مثله في الاتصال بالقادر وله في بيعته وصيرورة الخلافة إليه « سنة 381 ه‍ » قصيدة مشهورة نذكر منها قوله : شرف الخلافة يا بني العباس اليوم جدده أبو العباس هذا الذي رفعت يديه بناءها العالي وذاك موطد الآساس والطود أبقاه الزمان ذخيرة من ذلك الجبل الأشم الراسي وفي هذا الشعر ما فيه من الصناعة البديعية ، فأبو العباس الوارد ذكره في مطلع القصيدة هو القادر بالله ، وأبو العباس هي أيضا كنية السفاح مؤسس دولة بني العباس المشار إليه في البيت الثاني . هذا ولأبي شجاع صاحب كتاب « ذيل تجارب الأمم » تعليق لطيف على أبيات الرضي أكد فيها رأي الرضي بالقادر بالله في تجديد معالم الخلافة - على ما يقول - ، وكشف الغمة وإزاحة العلل والفتن عن البلاد ، ويعده أبو شجاع رابع أربعة من بني العباس هم : السفاح ، والمنصور ، والمعتضد ، ورابعهم القادر ، ووصفه بالورع والزهد وأنه راهب بني العباس ( 6 ) ولا تخلو هذه المقالة وغيرها من مقالات بعض المؤرخين في هذا الصدد من مبالغة . والخلاصة كان أفراد هذه الأسرة - أسرة السيدين المرتضى والرضي - من أكثر أعيان عصرهم في العراق اتصالا بدار الخلافة العباسية ، ودار السلطنة البويهية ، وحسبنا أن الشريف أبا أحمد الموسوي ولي عقد الأميرة سكينة ابنة بهاء الدولة على القادر بالله « سنة 384 ه‍ » ، جاء في حوادث هذه السنة من

--> ( 1 ) مطلع القصيدة : « إيابا أيها المولى إيابا فعبد إن أساء فقد أنابا » . ( 2 ) أبو دهبل : اسمه وهب بن زمعة بن أسيد بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ، وكان اسم جمح تيما واسم أخيه زيدا ، وهما ابنا عمرو بن هصيص فاستبقا إلى غاية ، فمضى تيم عن الغاية فقيل : جمح تيم ، ووقف عليها زيد فقيل : سهم زيد فسمى سهما ، فاما كنيته فهي مشتقة من الدهبلة ، وهي المشي الثقيل ، والجمحي من شعراء قريش المطبوعين المجودين . راجع « ج 1 ص 116 » من كتاب أمالي السيد المرتضى ط . مصر سنة 1373 ه‍ ( 3 ) في الأمالي : « قطرت » بدل « مطرت » . ( 4 ) وهذه الأبيات للنواح المرادي الواردة في الديوان ( 5 ) مطلع القصيدة : قرت عيون بني النبي محمد بالقادر الماضي العزيمة أحمد ( 6 ) ذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ط . مصر سنة 1334 ه‍ « ص 207 » .